محمد بن أحمد بن إسحاق ابن يحيى الوشاء

121

الظرف والظرفاء

في مشيته وزيّه ولفظه ، يستدلّ عليه بظاهر حركة الملاحة دون اختبار باطن الحلاوة . ألا ترى أن من زيّهم التّقزّز ، والنّظافة ، والملاحة واللّطافة ، وإظهار البزّة ، وطيب الرائحة ؟ فالنفوس إليهم تائقة ، والقلوب وامقة ، والعيون رامقة ، والأرواح عاشقة . وإنّ من زيّهم الوقار ، والخشوع ، والسكون ، والتصنّع بالأخلاق الوضيّة ، والشّيم السّنية ، والمذاهب الجميلة ، والهمم الجليلة . وممّا يستدل به على كمال أدبهم ، ويعرف به رجحان هممهم ، كثرة استعمالهم الهوى ، وطول معاناتهم الجوى ، وهو من أحسن مذاهبهم ، وأجلّ مناقبهم . ولسنا نقول إن الهوى ليس بفرض على ذوي العقل ، كما قال ذو التقصير والجهل ، بل هو من أوكد الفرض عليهم ، وأثبت الحجّة للمتفرّس الناظر إليهم على حسن تركيب الطّباع والغرائز ، وصفاء جواهر الهمم والنّحائز « 1 » ، إذ هو عند ذوي العلوم والأحكام من أجمل مذاهب الأدباء والكرام . وقال محمود الورّاق في ذلك ، إذ كان الحب عنده كذلك : [ من الوافر ] ألم تعلم ، فداك أبي وأمّي ، * بأنّ الحبّ من شيم الكرام وليس يخلو أديب من هوى ، ولا يعرى من ضني . لأنّ الهوى كما وصفته العلماء ، وكما قال فيه الحكماء : إنه هو أوّل باب تفتق به الأذهان ، وينفسح به الجنان ، وله سورة في القلب يحيا بها اللّب . وقد يشجّع الجبان ، ويسخّي البخيل ، ويطلق لسان العيي ، ويقوّي حزم العاجز ، ليأنس به الجليس ، ويمتنع به الأنيس ، ويذلّ له العزيز ، ويخضع له المتجبّر ، ويبرز له كلّ محتجب ، وينقاد له كل ممتنع . وهو أمير مطاع ، وقائد متّبع . وليس بأديب عندهم من خرج من حدّ

--> ( 1 ) النحائز : النحيزة ، الطبيعة .